ابن الجوزي
351
زاد المسير في علم التفسير
ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ( 122 ) قوله تعالى : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) في سبب نزولها أربعة أقوال : أحدها : أنه لما أنزل الله عز وجل عيوب المنافقين في غزوة تبوك ، قال المؤمنون : والله لا نتخلف عن غزوة يغزوها رسول الله ولا سرية أبدا . فلما أرسل السرايا بعد تبوك ، نفر المسلمون جميعا ، وتركوا رسول الله وحده ، فنزلت هذه الآية ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] لما دعا على مضر ، أجدبت بلادهم ، فكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها إلى المدينة من الجهد * وتظهر الإسلام وهم كاذبون ، فضيقوا على أصحاب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فنزلت هذه الآية ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس . والثالث : أن ناسا أسلموا ، وخرجوا إلى البوادي يعلمون قومهم ، فنزلت : ( إلا تنفروا يعذبكم ) ، فقال ناس من المنافقين : هلك من لم ينفر من أهل البوادي ، فنزلت هذه الآية ، قاله عكرمة . والرابع : أن ناسا خرجوا إلى البوادي يعلمون الناس ويهدونهم ، ويصيبون من الحطب ما ينتفعون به ، فقال لهم الناس : ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا ، فأقبلوا من البادية كلهم ، فنزلت هذه الآية ، قاله مجاهد . قال الزجاج : ولفظ الآية لفظ الخبر ، ومعناها الأمر ، كقوله [ تعالى ] : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) ، والمعنى : ينبغي أن ينفر بعضهم ، ويبقى البعض . قال الفراء : ينفر وينفر ، بكسر الفاء وضمها ، لغتان . واختلف المفسرون في المراد بهذا النفير على قولين : أحدهما : أنه النفير إلى العدو ، فالمعنى : ما كان لهم أن ينفروا بأجمعهم ، بل تنفر طائفة ، وتبقى مع النبي [ صلى الله عليه وسلم ] طائفة . ( ليفقهوا في الدين ) يعني الفرقة القاعدين . فإذا رجعت السرايا ، وقد نزل بعدهم قرآن أو تجدد أمر ، أعلموهم به وأنذروهم به إذا رجعوا إليهم ، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس . والثاني : أنه النفير إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، بل تنفر منهم طائفة ليتفقه هؤلاء الذين ينفرون ، ولينذروا قومهم المتخلفين ، هذا قول الحسن ، وهو أشبه بظاهر الآية . فعلى القول الأول ، يكون نفير هذه الطائفة مع رسول الله إن خرج إلى غزاة أو مع سراياه . وعلى القول الثاني ، يكون نفير الطائفة إلى رسول الله لاقتباس العلم .